جيلُ اليومِ لم يُربَّ كما رُبِّينا، ولم يعرِفِ الدفءَ الذي عرفته بيوتُنا بالأمس. لم يعُد أطفالُنا يفتحون أعينَهم على رائحةِ القهوة، ولا ينامون على حكاياتِ الجدّاتِ التي تحمل في طيّاتها حِكمة وعِبرة.
لقد اختُطفوا منّا بصمت، وسُلِّموا إلى بريق رقمي يخطف العقولَ والأبصارَ، ويختزل المشاعرَ ويُشكِّل القيمَ. الشاشاتُ صارت الأبوينِ الجديدينِ والمدخلَ الوحيد إلى عقولِ صغارِنا، وصارت المرآةَ التي ينظرون من خلالها إلى العالم، بينما نحن نلهث في دوّامةِ الحياةِ والعملِ، ونعيش جسديّا معهم، لكن بالنسبة إليهم نحن أمواتٌ ذهنيّا وروحيّا، ونحتاجُ إلى إثباتِ حياة.
التكنولوجيا لم تكتفِ بغزو بيوتِنا، بل اقتحمت غرفَ نومِ أطفالِنا، وعقولَهم، ولغتَهم، وأخلاقَهم. من يُربّي أبناءَنا اليوم؟ الأسرةُ التي غابت؟ المدرسةُ التي انزوت؟ أم الخوارزميّاتُ التي تعرف ما يُحبّون وما يكرهون، وما يخافون منه، وما يُبقيهم أمام الشاشات لأطولِ وقت ممكن؟
الأمُّ التي كانت تحكي، والقلبُ الذي كان يُرشد، تراجع كلاهما أمام شاشة تنطِق بدلَنا وتوجّه أطفالَنا من دون إذنِنا. لم تعدِ التكنولوجيا مجرّد وسيلة للتسلية، بل أصبحت معلّما خفيّا يصوغ قيمَنا ويعيدُ تعريفَ مفاهيمِ أبنائنا.
أطفالُنا باتوا يتلقّون العالمَ من نافذةٍ مصنوعة من زجاج بارد وصوت مُبرمَج تحاكي قهقهة لا تصدُق ولا تَعرِف الرحمة. إنّنا لا نعيش ثورة تقنيّة فقط، بل نعيش انهيارا تربويّا مكتملَ الأركان إلى أبعدِ درجة.
الطفلُ الذي كان يتربّى على “افعل” و”لا تفعل”، أصبح يتلقّى أوامره من محتوى يتسلّل إلى وعيه بلا إذن ولا رقابة. يتعلّم من المقاطع القصيرة أنّ البطولة تُقاس بعددِ المتابعين، وأنّ الذكاء هو الخداع، والقيم مجرّدُ عبء على طريقِ المجدِ والشهرة.
إنّنا نرى اليوم جيلا بأكمله يُعاد تشكيله وهو يبتسم أمام الشاشات. تُبرمج التطبيقاتُ سلوكه، وتوجّه مشاعره، وتنتزع منه القدرةَ على التفكيرِ المستقل، حتى أصبحت كلُّ تصرّفاته محسوبة، وكلُّ اهتماماته موجهة نحو محتوى يسطو على وعيه ويُبعده عن ذاته الحقيقية التي يفترض أن يعتني بها.
لم تعُدِ الأمُّ تُربّي، ولا المدرسةُ تُعلّم، ولا الإعلامُ يُرشد. كلُّ الجهاتِ تخلّت عن مواقعِها لصالح آلة لا تفهم معنى العاطفة. الأسرةُ التي أعطت الهاتفَ بدلَ الحوار تتحمّل جزءا من الجريمة.
والمدارسُ التي تُكرّر مناهجَ الماضي في زمن يُدار بالذكاءِ الاصطناعي تتحمّل الجزءَ الآخر. أمّا الإعلامُ الذي يُطارد الأرباحَ على حسابِ القيَمِ والمبادئِ والأخلاق، فيتحمّل ما تبقّى من المسؤوليّة.
الجميعُ مذنبون، والجميعُ يتفرّجون على أطفالِنا وهم يضيعون.
الطفلُ أمام الشاشة لا يتعلّم، بل يُعاد تشكيلُه. الشاشةُ لا تنقل معلومة، بل تبني عقلا جديدا وفقَ معاييرِ الشهرةِ ومنطقِ الربحِ والخسارة. لم يعُد القدوةُ هو العالِمُ أو الطبيبُ أو الأب، بل “المؤثِّر” الذي يعيش على مشاهداتِ الناسِ وزخمِ الإعجابِ المزيَّف.
ومن هنا تبدأ الكارثة.
نحن نزرع في الأجيال أوهاما ضخمة وقيما فارغة. نُغذّي فيهم حبَّ الظهور بدلَ حبِّ العلم، ونقيس النجاحَ بعددِ “اللايكات” لا بما يُقدّمه الإنسانُ من نفع أو فكرة أو خُلُق.
هذه ليست أزمةَ تربية فقط، بل أزمةُ وجود. حين يفقد الطفلُ لغتَهُ وانتماءَهُ وثقافتَهُ، يصبح مجرّدَ نسخة بلا هوية، والمحتوى الذي يغزوه يُعيد تشكيلَ ذاتِه، ويُقنعه بأنّ تقاليدَهُ عارٌ، وجذورَهُ عبءٌ يجبُ التخلّصُ منها.
شيئا فشيئا نُربّي جيلا مُشوَّها يكره ماضيه، ولا يجد مكانا له في حاضره. جيلا هشّا يتهاوى عند أوّل اختبار، لأنّ أساسه بُني على الفلاشات والشاشات، لا على المبادئ والقيم.
أما مجتمعنا، فقد صار ظلّا باهتا لتاريخه. بينما التطبيقاتُ تتكلّم بلغة أطفالنا الجديدة بجرأة وجاذبية، ما زال صامتا إلى اليوم، والنتيجةُ محسومة: سينتصر الهاتفُ والآيبادُ على المعلّمِ والبيتِ والمجتمع، ويتغلب المحتوى السطحي على المنهجِ العميق، فتضيع قيمُ البيتِ والتربية والتعليم، وتُترك الأجيالُ تواجه الواقعَ المرَّ بلا وعي ولا مرشد قادر على صقل شخصياتهم وتنمية عقولهم، التي زرعوا فيها عشقَ التحدّي وحبَّ الذاتِ والتمردِ.
المعركةُ ليست مع التكنولوجيا، بل مع الاستسلامِ لها.
لسنا مطالبين بالابتعاد عن العالم الرقمي، بل بإدارته بعقل ووعي. فالأمرُ لا يتعلق بالتحريم، بل بالتوازن. بيتٌ يُعيد لأطفالنا الدفءَ والحوارَ الجميل، ومدرسةٌ تزرع حبَّ النقدِ والتحليلِ لا الحفظَ والتلقين، وإعلامٌ حاضرٌ يعي دوره الحقيقي، لا كآلة للتسلية، بل كرافعة ترفع وعي المجتمع.
المطلوبُ أن نُعيد الإنسانَ إلى صورتِه كإنسان. أن يكون الأبُ منّا في بيتِه، لا كظلٍّ صامت متعب، بل كمربٍّ وموجّه لا يستخفُّ بأهميةِ دورِه أبدا، وأن تستعيدَ الأمُّ دورَها كقلب نابض في حياةِ أبنائِها، وتُدركَ الأسرةُ أنّ ضحكةَ طفلِها أمام مقطعٍ تافهٍ ليست سعادةً، بل نداءُ استغاثةٍ أخير يدعونا إلى إعادةِ بناءِ بيئة مسلّية تحافظ على القيمِ، وتصقلُ الوعيَ، وتزرعُ الحبَّ والاحترامَ الحقيقي، وتُعيدُ لأطفالِنا إنسانيّتَهم قبل أن يفقدوها تماما مع مرورِ الزمن.
إنّ التربيةَ موقفٌ قبل أن تكون وقتا ضائعا مُهدَرا، وحوارٌ قبل أن يكون سلطةً باطشةً تُقيِّدُ أحلامَهم وتُكمِّمُ أفواهَهم وأفكارَهم، ومشاركةٌ قبل أن تكون مراقبة تزرعُ الخوفَ في نفوسِهم.
الأزمةُ أعمقُ من مجرّد “جيل تافه يجلس أمام الشاشات كما نعتقد”. إنّها أزمةُ هويّة إنسانية ووطنية تترنّح بين واقعنا الحقيقي وعالمه الافتراضي. الطفلُ الذي يتربّى على السرعة يفقدُ ببطء قدرته على الصبرِ والتفكيرِ الهادئ، وحياتُه كلّها “تمرُّ سريعا” على شاشاتِ تكرّس السرعة، حتى في مشاعره التي أصبحت مؤقّتة وتتغيّرُ بسرعة، يضحكُ بسرعة، ويبكي بسرعة، وينسى بسرعة، لا يتعمّقُ في شيء، ولا يتعلّقُ بشيء، وكأنّه قد تبرمجَ على الزوال.
فكيف له أن يشعر بالحب وهو لا يعرف الثبات؟ وكيف سيتحمّل المسؤولية وهو لم يُدرَّب على التركيز؟ نحن نُنتج عقولا تركض خلف كل جديد وتهرب من كل ما هو عميق. نُنتج إنسانا يعرف كل لغات العالم، لكنه لا يعرف كيف يشرح مبادئه للعالم بتلك اللغات. يُتقن المشاهدة، لكنه يعجز عن التعبير والتأمّل، كأنّ عينيه مفتوحتان على العالم، وقلبه مغلق بإحكام خلف شاشات لا تُنير حتى ظلام عقله المظلم.
إنّ ما نزرعُه اليومَ من لامبالاةٍ في أبنائنا سيزهرُ غدا فراغا قاتلا وجيلا لا يعرِفُ ذاتَه. المعركةُ ليست بيننا وبين التقنية، بل بين الحضورِ والغياب، بين اليقظةِ والتخدير، وبين من يختارُ أن يكون مربِّيا، ومن يكتفي بدور الضحيةِ و المتفرّج المصدوم.
جيلٌ كاملٌ ينتظر أن يرى نموذجا حيّا يُخبِره أنّ القيم ليست موضةً قديمة، وأنّ الحب ليس تعبيرا رقميّا بملصقات بلا قيمة، وأنّ الإنسان أعمق وأجمل من شاشة تُضيء وتنطفئ، وتغرقه في ضجيج مؤقّت وتُبقي قلبه وعقله عطشانا للواقع والحياة الحقيقية.
إذا لم ننهض الآن، فلن ينهض أحدٌ من بعدنا. وإذا لم نؤمن أنّ التربيةَ فعلُ مقاومة، فسنستيقظ يوما على جيل بلا ذاكرة، بلا قلب، بلا جذور، يتيه في عالم افتراضي يسرق وعيه ويُفرّغ روحه من أي معنى حقيقي.
الجيلُ القادمُ لن يُشكّل المستقبلَ فحسب، بل سيُعيد تعريفَ الإنسان السعودي وترتيبَ مشاعره ومبادئه، إمّا نحو النورِ والقيم، أو نحو الظلامِ والعدم. الاختيارُ ما زال بأيدينا، فنحن من يُقرّر اليومَ مَن سيُربّي أجيالَنا القادمة غدا.
كاتب رأي
كاتب رأي / رئيس تحرير صحيفة آخر أخبار الأرض / مستشار أمني
مقال يستحق النشر على نطاق واسع استطاع الاستاذ الكبير محمد الفريدي وضع اليد على الجرح ومن ثم وصف العلاج الذي بمشية الله بتكاتف الجميع سيزول هذا الداء الذي عم الكثير من ابناء هذا الجيل واليد الواحدة لاتصفق فكلا عليه مسؤولية الاب والام والمجتمع ووسائل الاعلام وكذلك الموسسات الحكومية والاهلية .
مقال تربوي نتمنى أن يصل للمجتمعات المحلية والوطن العربي